مقالات وتقارير

وحوش الغرائز البشعه

عزيز الدفاعي

«عندما لا يكون الله موجودًا، فإن كلَّ شيءٍ يصبح مباحًا»
عبارة يرددها راسكولينكوف، الشخصية المحورية في الرواية الشهيرة الجريمة والعقاب لفيودور دوستويفسكي، بعد ارتكابه جريمته البشعة. لم تكن جملة فلسفية عابرة، بل اعترافًا مرعبًا بأن سقوط الإيمان الحقيقي يفتح الباب أمام كل أشكال الدم.
بهذه الفكرة القاتمة يبدأ الانحدار، لا في الروايات وحدها، بل في واقعٍ نعيشه كل يوم. حين يغيب الرادع الأخلاقي، وحين يُقتل الضمير قبل أن يُقتل الجسد، تتحول الجرائم من استثناءٍ يهزّ الوجدان إلى مشهدٍ متكرر نمرّ عليه ببرود، كخبرٍ عابر، دون أن ندرك أننا نعيش وسط طوفانٍ من الدم، وأن وحوشًا بشرية تمشي بيننا بوجوهٍ عادية.
في عراقٍ أنهكته الحروب وتراكمت عليه الخيبات، لم تعد الجرائم البشعة صدمة، بل جروحًا يومية تُفتح ثم تُترك لتنزف في صمت. ثلاث جرائم فقط من بين عشرات تُرتكب كل يوم، لكنها كافية لتكشف حجم الانهيار الأخلاقي، وعمق التوحش الذي تسلل إلى مجتمعٍ كان يومًا يتغنّى بالقيم والرحمة، ويكثر من الحديث عن الدين، بينما يبتعد عن جوهره خطوةً بعد أخرى.
أمٌّ مطلّقة تشنق طفلها بيديها، ثم لا تكتفي بقتله، بل تقف ببرود لتدّعي أنه حاول اغتصابها. أي ظلامٍ هذا الذي يجعل الأم، رمز الحماية والحنان، تتحول إلى جلاد؟ وأي قسوةٍ هذه التي تدفع عقلًا بشريًا لاختلاق مشهدٍ بهذه الوحشية لتغطية جريمة لا يمكن تبريرها؟ هنا لا يُقتل الطفل مرة واحدة، بل تُغتال براءته حتى بعد موته.
وأخرى، تقتل طفلها الذي لم يتجاوز العامين، تُغرقه في حوض ماء، وكأن حياته لم تكن سوى عبءٍ تريد التخلص منه. طفلٌ لم يعرف من الدنيا سوى وجه أمه، كانت هي نافذته الوحيدة إلى الأمان، فإذا بها تغلقها إلى الأبد. والله تعالى حين أراد أن يصف هول يوم القيامة، ضرب مثلًا بأشد حالات الحب والالتصاق الإنساني، فقال: «تذهل كل مرضعة عما أرضعت»، فكيف إذا كانت المرضعة نفسها هي من تسلب الحياة بيدها؟
أما الجريمة الثالثة، فهي ذروة التوحش والانهيار: أب يقتل ابنته بمساعدة شقيقها، ثم يُقطّع جسدها إربًا. هنا لا يُقتل الجسد فقط، بل تُذبح الأبوة، وتُسحق العائلة، ويُعلن الإفلاس الكامل لكل معنى للرحمة. ابنةٌ كان من المفترض أن تجد في أبيها السند والحماية، تحولت إلى ضحية سكينٍ حملت اسم العائلة قبل أن تحمل دمها.
هذه الجرائم ليست حالات فردية معزولة، بل أعراض لانهيار أعمق وأخطر: انهيار القيم، تخدّر الضمير، وتوحش الإنسان حين يفقد إحساسه بالمسؤولية والخوف من الله والمجتمع. الفقر، الجهل، العنف المتراكم، والتطبيع اليومي مع الدم، قد تفسر ما يحدث، لكنها لا تبرره. فما يحدث هو ابتعاد عن الله الحقيقي، لا عن اسمه ولا عن شعاراته، بل عن حضوره في القلوب والضمائر.
الأكثر إيلامًا ليس عدد الجرائم، بل اعتيادنا عليها. نقرأ التفاصيل، نهز رؤوسنا بحزنٍ سريع، ثم ننتقل إلى خبرٍ آخر، وكأن الأرواح التي أُزهقت لم تكن يومًا أحلامًا صغيرة تبحث عن فرصة للحياة. حين يصبح الموت رقمًا، والطفل صورة، والجريمة مادة استهلاكية، نكون قد فقدنا إنسانيتنا دون أن نشعر.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجريمة نفسها، بل قبولها كجزءٍ من الواقع. وحين يموت الاستنكار، تموت القيم، ويصبح المجتمع كله شريكًا بالصمت. العراق لا يحتاج فقط إلى قوانين أشد، بل إلى صحوة ضمير، إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل، قبل أن نصحو يومًا ولا نجد في داخلنا انسانا
اين هو الله في قلوبكم وضمائركم ؟؟؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى